الأربعاء، 9 أكتوبر 2013
الخميس، 15 أغسطس 2013
بقلم مدونة أسس،
ضمن مشاريع
أمّا أنا فما زلت غارقا في لُجَج الماضي، تثير ذكرياته لَواعِج قلبي، أتنفّس عَبَق تلك الأيام المُشرقة التي عرفتها الحضارة الإسلامية، وأصبُو إليها، وأتنقل عبر الأزمنة والعصور كأنّها الحاضر، فَيَوم في الجزيرة وآخر في الشام، ويوم في مصر وآخر في الأندلس، فأطوف مستنكِرا هذا الواقع البئيس، مُتَطَلّعا لذاك المستقبل المأمول.
أمّا عُلَماؤنا الأشاوس فقد ضربتهم العُجمة، فصمَّت آذانَهم وأخرست ألسُنهم عن العربية، ولأنّ اللغة واجهة الأمّة ودليل الهويّة، فقد نُسِبوا إلى أصحابها، فأصبحوا لا منتمين، كالدّاخل الملعب بألوان وشعار الخصم، فهم يُفكّرون ويُبدِعون ويصنعون ويتواصلون بالعُجمة وهم بيننا، ذلك لأنّهم وجدوها جاهزة، مبسوطة اليدين، صدرها رحب عريض، في حين أنّ العربية تراجعت وتحتاج لجهد وتضحية قد لا يغنيان من فقر، ومن ذا الذي يُضَحّي؟ في زمن كلّ يقول نفسي نفسي!
لهذا فقد قررت أن أكون لها، وأن أجشم نفسي عناء نقل ما أفقه من العلوم إليها، والنقل ليس كالترجمة، ففيه يُبنى العلم من أساسه بالعربية، فأكون بذلك قد ساهمتُ في تقدّم اللغة ورقيّها من جهة، وألّفت مراجع شاملة ومحيطة بجوانب العلم وتفاصيله من جهة أخرى، فيكون بذلك سنداً لطالب العلم المسلم فلا يضطر بعد ذلك لتعلّم لغة مُكرهاً لعدم توفّر البديل، وتبقى عندها مسألة تعلّم اللغات الأجنبية اختيارية تفيد فقط في غرض التواصل مع أهلها. فضلا على هذا، أطمح للغة العربية، بصفتها لغة المسلمين، أن تصير لغة علم ودين (بعد أن صيّروها لغة دين فقط)، فتكون وحدها كافية للمسلم لممارسة كل أغراضه الدينية والدنيوية دون قيْد، وكما أثبتت هذه اللغة عمق معانيها (في الأدب والشعر)، وقدرتها على التأثير (في القرآن والخُطب)، وجمال خطّها (في الزخرفة)، لم يبقى لها سوى إثبات ذاتها في العلوم والتقنيات الحديثة، وهذا تحد يسير نسبة للتحديات السابقة.
واعلم، عزيزي القارئ، بأن اللغة ليست سوى مرآة لأصحابها، وأن الإنسان عندما تنهزم نفسه، فإنه يسارع بطبعه إلى إلقاء اللوائم، وإلى اتهام كل ما حوله بأنه سبب أو بعض سبب إخفاقه، وقد حكم بعض الناس على أن العربية قد عتقت وشاخت، وقدمت وبلت، وأنها عقرت ولم تعد تدرّ حليبا، وهي في الحقيقة لا تعكس سوى مستوى الجبن والضعف والكسل الذي وصلنا إليه، فصرنا نلوم اللغة تارة والدين تارة، وراهن المسلمون في الأخير على ما هو ليس لهم، ولا منهم، فتشتتوا شَذَرَ مَذَرَ، وتفرّقوا أيْدي سَبا، وجعلوا من المشركين أولياء لهم، يتبعونهم تبع الكلب لصاحبه، والمملوك لمالكه، والعبد لربّه، فثار حابلُهم على نابلِهم، وجفّت منابع عطائهم، وضعف إبداعهم، وما عادوا يقدّرون أنفسهم حقّ قدرها، فصاروا ينقلون السياسات والمناهج الغربية كما هي، فيلصقون هذا بذاك، حتى أكلت عليهم السخافة وشربت، وصاروا تلك الأمة التي ضحكت من جهلها الأمم.
إن هذا المشروع ليس سهلا، ولا يُمكنني القيام به وحدي، فلكل عِلم أهله، ولا يصحّ لي نقل علم لا أفقه فيه إلّا القليل، لهذا سأقتصر على مجال معرفتي وتخصّصي، وأدع الباقي لكلّ من صحا ضميره بأن يحذُوَ حَذوي، وينقل ما آتاه الله من علم يتقنه، حتى يُنسب لحضارتنا الإسلامية، فيَنفَع به وينتفع منه، إذ سيكون له صدقة جارية، ودعوات بظهر الغيب، وسيذكر به اسمه مع غطارفة العِلم والمجاهدين به.

