الأربعاء، 9 أكتوبر 2013

الفِرَنسَة وكثرة الكلام

باسم السميع المجيب، والصلاة والسلام على الحبيب، يدخل هذا المنشور ضمن سلسلة من التأملات المقارِنة بين المغرب باعتباره موطني ومَعْدِني، وفرنسا باعتبارها دار مقامي على حاجة أقضيها. والهدف من هذه التأملات انتقاء النقاط الأساسية التي أرى أنها تشكل سببا في تقدّم الفرنسيين أمام المغاربة.

 كنت أسعى من خلال تأملاتي التي بدأت في نشرها منذ فترة عدّ كلّ القيم الإنسانية التي يتّصف بها الشعب الفرنسي، والتي تجعل منه بطريقة أو أخرى شعبا راقيا متقدّما مقارنة بنا نحن المغاربة، وقد كنت أنتظر من القارئ الإجتهاد في تحليل هذه القيم ثم الإقتناع بها (أو ببعضها) وجعلها جزءا من شخصيته، فيكون بذلك قد بدء من نفسه نحو إصلاح مجتمع هدّم الفساد صرحه، إلا أنّي لاحظت بأنّ مجهوداتي تذهب على غير طائل، بل بالعكس تزيد المغاربة شوقا وأملا في التخلي عن بلدهم والهجرة إلى أوروبا بحثا عن الحرية والعيش الرغد الكريم، وتزيدهم كذلك إعجابا وتعظيما للإنسان الفرنسي، وما يزال المغاربة يرون الجمال والكمال في كل ما هو أوروبي حتى أصبحت القلوب والعقول متعلّقة بدخول هذا البلد أكثر من تعلّقها بدخول الجنّة.

لهذا سأنشر بعض التأمّلات التي تأخذ الطريق المعاكس، وتناقش القيّم والصّفات التي يتميّز بها المغاربة على الفرنسيين، وهذا لكي يعلم القارئ المغربي بأنّ الفرنسيين ليسوا ذلك الشعب الكامل الأوصاف، وبأنهم أمّة لا تختلف عنا، فمنهم الخائن والظالم والمعتدي والممل.. وبأنّهم بشر مثلنا، فهم أيضا يخطئون، ويفعلون أشياء غبية وبليدة، ويتعثرون ويسقطون، ويسكرون جتى تمتلئ سراويلهم بولا، فلا تحسبنّ أنّ الفرنسي شخص مثالي فقط لأن شَعره أشقر وجلدته حمراء.

ربما لن أجد من المغاربة ذوي الاحتكاك بالفرنسيين من يختلف معي حول مسألة الكلام الفارغ والثرثرة الزائدة التي تميّزهم، فمن أجل إيصال فكرة أو مفهوم بسيط قد يستغرق الفرنسي نصف ساعة أو أكثر من اللف والدوران في الحديث حتى يصل إلى جوهره وقد لا يفعل أحيانا، وهكذا يجعلون الأمور البسيطة تبدو معقدة وصعبة، وهذه في الحقيقة ليست صفة متوارثة عندهم وإنما طبيعة لغتهم تفرض ذلك، فالفرنسيّة لغة تجريدية غير مباشرة، ويصعب التعبير فيها عن المفاهيم الماديّة والطبيعية والكونية بأسلوب مباشر، لهذا فهي تفرض على المتحدث تكوين سلاسل طويلة من التراكيب اللغوية للتعبير عن مختلف المفاهيم، فلا يجد المتلقي بُدّا من السباحة في بحر التراكيب المجرّدة بحثا عن مقصد الكلام.

وبسبب ضعفنا النفسي نحن المغاربة اتجاه كلّ ما هو أوروبي، فنحن لا نرى فورا نقطة الضعف هذه، فعندما تُخاطِب فرنسيا في مسألة علمية أو سياسية أو أدبيّة معيّنة، ويبدأ في ثرثرته الغير المفهومة، وفي إلقاء كلامٍ قليله فائدة وباقيه فراغ، تجد نفسك مشدوها مذهولا ظانا بنفسك الجهل والتأخّر والضعف والغباء، وعوض الإستماع إلى الكلام وانتقاء المفيد منه، تغلب عليك الدهشة والارتباك فتتزاحم في رأسك أفكار مُحبِطة خاطئة ك: "أنا لا أفهم ما يقول لأن مستواي دون مستواه"، "هؤلاء قوم سبقونا بمراحل"، "هؤلاء أناس لهم من المعرفة ما لا نملك ربعه"، "أخشى أن يكتشف تخلّفي عندما أبدأ الكلام"، وهكذا تلقي اللوائم على نفسك وتحكم عليها بالانغلاق والغباء ولا تعطيها حقّها في التقييم والانتقاد.. فقط لأنّه فرنسي وأنت مغربي.

للشركة الفرنسية حيث أعمل حاليا فرع بالمغرب، ويقوم المغاربة المرشحون للتوظيف بإجراء مقابلة هاتفية مع قائد طاقم العمل بفرنسا، وفي ذلك اليوم كنت أستمع إلى إحدى هذه المقابلات التي يديرها قائد فرنسي يشهد له العالم بالثرثرة، وكان يتحدث هاتفيا مع شاب مغربي له من الشهادات والدبلومات ما له، فلم يلبث القائد يبدأ ثرثرته المعهودة حتى ضعفت شكيمة الشاب وارتبك وبدأت تجتاحه الظنون والشكوك حول كفاءته وقدرته على مجاراة هذا المستوى الذي يتبادر إليه أنّه عالي علو الشمّ الشوامخ، وقد كنت أنا وباقي زملائي نضحك في الخلف من طريقة تعقيد هذا القائد للمفاهيم التي نعرفها بسيطة حتى يظنّ السامع أننا نصنع الخيال العلمي، ونتواصل مع الكائنات الفضائية، ونطوّر برمجيات الشعودة المعلوماتية.

المغاربة شعب مباشر، ونحن لا نحسّ بهذا لأنّنا لم نجرّب غيره، فمن أجل شرح أمر معيّن يقول لك المخاطِب كذا وكذا فيكون كذلك، لا زيادة ولا نقصان ولا لوْكا للكلام، هذا باستثناء من بدّل جلدته من المغاربة وتفرنص واكتسب صفات الفِرنسَة طيّبها وقبيحها دون انتقاء ولا تفكير، وهؤلاء كثير ولا زالوا في تكاثر.. فناولوني البندقية..

شارك هذا الموضوع!


Facebook Twitter

لا تعليق