باسم السميع المجيب، والصلاة والسلام على الحبيب، يدخل هذا المنشور
ضمن سلسلة من التأملات المقارِنة بين المغرب باعتباره موطني ومَعْدِني،
وفرنسا باعتبارها دار مقامي على حاجة أقضيها. والهدف من هذه التأملات
انتقاء النقاط الأساسية التي أرى أنها تشكل سببا في تقدّم الفرنسيين أمام
المغاربة.
إن أبرز ما يلاحظه المغربي لدى أول زيارة له لبعض المدن الفرنسية، ذلك التعامل الراقي بين الفرنسيين، إذ ترى الناس يلقون السلام على من يعرفون وعلى من لا يعرفون، وسلامهم ليس كالسلام الذي نعهد، ذلك السلام الذي يلقيه عليك شخص وهو كاسف الوجه وكأنه يسلم مُكرَها، أو ذلك السلام السريع الذي لا تسمع منه سوى (سْمْ)، لا بل سلامهم يشبه ذلك السلام الذي يلقيه عليك من لديه حاجة فيك، أو يطمع في معروف منك. تخيل أنك عندما تخرج من البيت، ترى الكل مبتسما في وجهك، الجيران وسائق الحافلة وبائع الصحف وحارس البوابة، والكبير والصغير، يُخَيّل إليك وكأنك في عالم الرسوم المتحركة حيث أن الكل يرقص ويغني.
لا يتوقف الأمر عند السلام فقط، بل إنهم يتقنون الاعتذار والشكر والتوديع أيضا، إنهم يعتذرون عن كل شئ وعن لا شئ، ويشكرونك دون أن تفعل شيئا، إذا دخل شخص قبلك عبر باب معين، فإنه يمسك الباب وينتظر دخولك، بهذا يظن بعض المغاربة أنهم ضعاف الشخصية، تنقصهم الرجولة والصلابة، وهذا ظن عادي لأن مستوى الرقي الذي وصلوا إليه يفوق المستوى الفكري لهؤلاء البعض.
في ذلك اليوم أقبلتُ رفقة صديق لي عند بائع معين وكان منشغلا بترتيب بعض الصناديق، فلم ينتبه لوجودنا، سَلّمنا عليه فتعثر وسقطت منه معظم الصناديق، بحكم تجربتي في المغرب، توقعت أن يجيبنا بصوت حاد يعبر عن انزعاجه، ويجعلنا نحس بأننا فأل شؤم عليه، وأننا مسؤولان عما وقع له. كانت ردت فعله أن ترك الصناديق مرمية على الأرض، وأقبل نحونا مبتسما بشوشا، فألقى علينا السلام المعهود وقام بخِدمَتنا وشَكَرَنا ثم وَدَّعَنا.
وفي يوم غيره كنت راكبا الحافلة وكان قلبي مُتْرَعا بالغضب، وصدري مُفعَما بالغيظ، وذلك لأمر أهمني، فكان وجهي عابسا لا أطيق الكلام مع أحد، فدخل هذا الطفل الصغير ومر بجواري فألقى علي سلاما بتلك الابتسامة الجميلة، والنظرة البريئة الرائعة، فانفرجت أساريري، وزال احْتِدامي، وخَبا أُوَارُ غَيْظي، فبقيت متعجبا لهذا الصغير الذي فاق بسلوكه وأدبه بعض الكبار عندنا.
هناك ثلاثة أمور يجب محاربتها من أجل تطبيق هذا السلوك الراقي في بلادنا، أولها عدم تقبلنا للآخر، والحرص منه، فكثرة العنف والجرائم التي أصبحنا نرى ونسمع، جعلتنا ننغلق على أنفسنا ونكره الانفتاح على الآخر ولو بابتسامة. وثانيها تلك العقلية الرجعية العوجاء التي تظن أن إلقاء السلام والتبسم في وجه الآخرين، والتعامل بلطف معهم يفقد رجولة المرء وقيمته. وثالثها تلك العقلية الأشد اعوجاجا، وهي عند بعض الشباب، إذ عندما تتعامل فتاة ما معه بأدب ولطف، يظن أنها معجبة به فيسارع في مضايقتها ويُبدع في معاكستها.
إن الرجولة ليست في المشي عاقد الحاجبين، وليست بالتعامل الفض الغليظ، وليست في عدم إلقاء السلام لفرض الهيبة على الناس واكتساب احترامهم، هذه اعتقادات وأفعال ضارة إذا طبقتها يوما، تذكر كلامي هذا واعلم أن نشوة النصر التي تحس بها في تلك اللحظة ما هي إلا دليل على أفكار شادة رجعية تجول في خاطرك، ويجب عليك التخلص منها.
إن أبرز ما يلاحظه المغربي لدى أول زيارة له لبعض المدن الفرنسية، ذلك التعامل الراقي بين الفرنسيين، إذ ترى الناس يلقون السلام على من يعرفون وعلى من لا يعرفون، وسلامهم ليس كالسلام الذي نعهد، ذلك السلام الذي يلقيه عليك شخص وهو كاسف الوجه وكأنه يسلم مُكرَها، أو ذلك السلام السريع الذي لا تسمع منه سوى (سْمْ)، لا بل سلامهم يشبه ذلك السلام الذي يلقيه عليك من لديه حاجة فيك، أو يطمع في معروف منك. تخيل أنك عندما تخرج من البيت، ترى الكل مبتسما في وجهك، الجيران وسائق الحافلة وبائع الصحف وحارس البوابة، والكبير والصغير، يُخَيّل إليك وكأنك في عالم الرسوم المتحركة حيث أن الكل يرقص ويغني.
لا يتوقف الأمر عند السلام فقط، بل إنهم يتقنون الاعتذار والشكر والتوديع أيضا، إنهم يعتذرون عن كل شئ وعن لا شئ، ويشكرونك دون أن تفعل شيئا، إذا دخل شخص قبلك عبر باب معين، فإنه يمسك الباب وينتظر دخولك، بهذا يظن بعض المغاربة أنهم ضعاف الشخصية، تنقصهم الرجولة والصلابة، وهذا ظن عادي لأن مستوى الرقي الذي وصلوا إليه يفوق المستوى الفكري لهؤلاء البعض.
في ذلك اليوم أقبلتُ رفقة صديق لي عند بائع معين وكان منشغلا بترتيب بعض الصناديق، فلم ينتبه لوجودنا، سَلّمنا عليه فتعثر وسقطت منه معظم الصناديق، بحكم تجربتي في المغرب، توقعت أن يجيبنا بصوت حاد يعبر عن انزعاجه، ويجعلنا نحس بأننا فأل شؤم عليه، وأننا مسؤولان عما وقع له. كانت ردت فعله أن ترك الصناديق مرمية على الأرض، وأقبل نحونا مبتسما بشوشا، فألقى علينا السلام المعهود وقام بخِدمَتنا وشَكَرَنا ثم وَدَّعَنا.
وفي يوم غيره كنت راكبا الحافلة وكان قلبي مُتْرَعا بالغضب، وصدري مُفعَما بالغيظ، وذلك لأمر أهمني، فكان وجهي عابسا لا أطيق الكلام مع أحد، فدخل هذا الطفل الصغير ومر بجواري فألقى علي سلاما بتلك الابتسامة الجميلة، والنظرة البريئة الرائعة، فانفرجت أساريري، وزال احْتِدامي، وخَبا أُوَارُ غَيْظي، فبقيت متعجبا لهذا الصغير الذي فاق بسلوكه وأدبه بعض الكبار عندنا.
هناك ثلاثة أمور يجب محاربتها من أجل تطبيق هذا السلوك الراقي في بلادنا، أولها عدم تقبلنا للآخر، والحرص منه، فكثرة العنف والجرائم التي أصبحنا نرى ونسمع، جعلتنا ننغلق على أنفسنا ونكره الانفتاح على الآخر ولو بابتسامة. وثانيها تلك العقلية الرجعية العوجاء التي تظن أن إلقاء السلام والتبسم في وجه الآخرين، والتعامل بلطف معهم يفقد رجولة المرء وقيمته. وثالثها تلك العقلية الأشد اعوجاجا، وهي عند بعض الشباب، إذ عندما تتعامل فتاة ما معه بأدب ولطف، يظن أنها معجبة به فيسارع في مضايقتها ويُبدع في معاكستها.
إن الرجولة ليست في المشي عاقد الحاجبين، وليست بالتعامل الفض الغليظ، وليست في عدم إلقاء السلام لفرض الهيبة على الناس واكتساب احترامهم، هذه اعتقادات وأفعال ضارة إذا طبقتها يوما، تذكر كلامي هذا واعلم أن نشوة النصر التي تحس بها في تلك اللحظة ما هي إلا دليل على أفكار شادة رجعية تجول في خاطرك، ويجب عليك التخلص منها.

لا تعليق