الأربعاء، 14 أغسطس 2013

التعايش والعنصرية

باسم السميع المجيب، والصلاة والسلام على الحبيب، يدخل هذا المنشور ضمن سلسلة من التأملات المقارِنة بين المغرب باعتباره موطني ومَعْدِني، وفرنسا باعتبارها دار مقامي على حاجة أقضيها. والهدف من هذه التأملات انتقاء النقاط الأساسية التي أرى أنها تشكل سببا في تقدّم الفرنسيين أمام المغاربة.

فرنسا دولة علمانية بامتياز، والعلمانية أصلها اللا دين، وهي تعني فصل الدين عن الدولة، هذا من حيث التنظير، أما عمليّا فهي فصل الأفراد عن الدين (عن قصد أو عن غير قصد)، أو التبعيد بينهما على الأقل، يؤدي التعطيل التام للدّين إلى فقدان هيبته ومكانته في قلوب الناس، ومع مرور الوقت إلى الجرأة والتطاول على المقدسات، ثم إلى الإلحاد على المدى البعيد. وهذا بالضبط ما تبيّنه التجربة الفرنسية، فدين الدولة الأوّل الإلحاد، تليه المسيحية (المذهب الكاتوليكي) في المرتبة الثانية، ومعظمهم بالاسم فقط وغير ملتزمين، ثم يأتي الإسلام كدين ثالث للدولة.

بالرغم من أن الصلاة الإسلامية غريبة على الفرنسيين، فإن فعل الصلاة نفسه أمر عادي بالنسبة لهم، فلا عجب إذا قلت لأحدهم أنك ذاهب للصلاة، لكن ما يثير الفضول والريبة في نفوسهم هو الصيام، فبالرغم من وجوده في دينهم، إلا أنه أصبح شيئا لا يقوم به إلا كل عابد زاهد عاكف متصوّف مُحَلّق في جوّه الروحاني الرائق، وعالمه الربّاني المهيب.

هنا يبدأ صدام الحضارات، فكيف يا تُرى يكون ردّ الفرنسي اتّجاه هذا الشخص الغريب (بالنسبة له) الذي يُصلّي ويصوم، ويتكلّم لغة تُكتب وتُقرأ من اليمين!؟ هذا الشخص الذي يراه ظهيرة يوم الجمعة خارجا بلباس عجيب، قاصدا ذلك المكان الذي يُدعى مسجدا؟ يجلسون فيه على الأرض، ويتلون فيه كلاما يُشَنّف الأسماع ويشرح الصدور، ثمّ يقومون ويسجدون ويركعون؟ هذا الشخص الذي يأكل بيديه لا بالملعقة والسكين؟ والذي يُدخل قارورة ماء معه إلى المرحاض (لا مياه في مراحيض فرنسا، يستعملون الورق فقط!)؟ أو ردّه اتّجاه تلك الفتاة المتحجّبة التي لم يستمتع برؤية شعرها ولا ساقَيْها قطّ؟ هل يا تُرى يتعايشون معنا؟ هل يتقبّلوننا في مجتمعهم؟ هل يتأثرون بنا؟ واصل القراءة..

إن العنصرية موجودة في كل بقاع العالم، وهي ردت فعل لدى كثير من الناس نحو من يحسّون بأنهم أدنى منهم مستوى، فمثلا: من الصعب أن تجد مغربيا يمارس العنصرية على سائح أوروبي، بل نحن نستقبلهم ونُسرّ بوجودهم ومنا من قد يشرّفه التكلم معهم أو خدمتهم (وهذا موضوع يلزم التكلم عنه في تأمّل آخر)، وفي المقابل، لا نتعامل بنفس الشكل اتجاه الأفارقة والماليزيين والموريتانيين الذين يقدمون للدراسة في بلادنا، فحتى الذي يتعايش معهم الآن لربما لم تخلو طفولته ومراهقته من العنصرية، وأنا ما زلت أتذكّر تلك الأيّام الخوالي عندما كنت أستمتع بمناداة الإفريقي (وا العزّي) ثم أُطلق ساقيَّ للريّاح هاربا..!

وحتى لو لم تكن عنصريا فقد لا تتقبّل الأخطاء، فلو قابلت مثلا إفريقيا يعاكس مغربية في الشارع، أو يصيح بصوت عالي، أو أي تصرّف آخر لقلت إن الأفارقة غير مهذبين، ومع مرور الوقت وتكرّر هذه الأفعال قد تصبح عنصريا اتجاههم، وهذه ردت فعل عادية عما تراه من تكرر هذه الأفعال، وقد لا تُلام على ذلك، وهنا بيت القصيد، لأنّ هذا ما يفعله بعض المغاربة بفرنسا، فمن السّهل أن تقابل مغربيّا يعاكس أوروبية بصوت عالي في الشارع، وفي يده زجاجة خمر وملابسه غير نظيفة، فبالله عليكم أليس من حقّ الفرنسيين التصرّف بعنصرية اتجاهنا؟ أنا لا أقول أن المغاربة كلّهم هكذا، لكن يكفي أن يقوم واحد منا بمثل هذه الأعمال ليُحكَمَ علينا كلّنا بقلّة الأدب.

وفي المقابل هناك مغاربة وازنو الكفّة بوعيهم وعلمهم، وبفضلهم أدرك الفرنسيون بأنّ المغاربة ليسوا واحدة، وفيهم الصالح والطالح، وبفضل هؤلاء لا تمارس العنصرية على المغاربة إلا بحسب أفعالهم، وقد وصل التعايش بين المغاربة والفرنسيين إلى مستوى مطمئن، وهنا تظهر نقطة القوّة، وهي أن الفرنسيون يمتازون بقدرة على التعايش وتقبّل الآخر أكثر من المغاربة، وهذا سببه انتشار الوعي الواسع بفرنسا إذ نجحوا في القضاء على الجهل من عجوزهم إلى صغيرهم. ولهذا فأنا لم ألاحظ تصرفات مزعجة في رمضان، فقد كان النّاس متفهمين (رغم غرابة الصيام عندهم) إلى درجة أنهم يتحاشون الأكل أمامي، أو أن يقولوا "شهية طيّبة" وقت الغذاء، رغم أن هذا من عادتهم.

أخيرا، قد يبدوا كلامي وكأنه دعوة إلى قبول الآخر، وإلى تنميّة نَفَس التعايش بالمغرب والانفتاح على العالم، لكن ورغم أهمية هذا الأمر إلا أنني شخصيا أتحفظ منه، ولا أنصح به في وقتنا الحالي، فأنا أظن بأن المغرب تلزمه سنوات من الانغلاق إلى أن نعرف أوّلا من نحن، وأن نُرسّخ مبادئنا ترسيخا، وأهمّ هذه المبادئ الدّين واللغة والأصالة المغربية، فبفتح النوافذ على العالم سينسلخ المغاربة عن جلدتهم، وسيُبَدّلونها بسهولة، وهذا ما نراه حاليا، فنحن لا نمتاز بما يُسمّى "بالانبهار النقدي"، إذ ما زلنا نرى بأن كل ما هو غربي صحيح، وقد تبدّلت في عقولنا مقاييس العلم والجمال، فأصبحنا نظن بأن الجمال هو شَعر أشقر وعينان خضراوان (وموضوع الجمال هذا سأفيض الكلام عنه في تأمل قادم)، وبأن العلم هو معرفة ما وصل إليه الغرب وإتقانه، في حين أن العلم هو الإبداع وصناعة الجديد. نحن لا نفرّق بين التأثر والانفتاح، فلو نصحت شخصا بالعودة إلى أصالته يجيب بأن هذا انفتاحا على العالم، ولا يكاد يعترف بأن ما يفعله هو إمّعة وتَبعية وتأثر بالغرب وليس انفتاحا، وهذا أمر خطير يجب الالتفات إليه ومعالجته.

شارك هذا الموضوع!


Facebook Twitter

لا تعليق